ابن خلدون
351
رحلة ابن خلدون
زحف إلى الشام ، فملك مدنه وحواضره من أيدي بني أيّوب ، إلى أن استوعبها . وجاء الخبر بأن بركة « 1611 » صاحب صراي شريكه في نسب جنكزخان ، زحف إلى خراسان ، فامتعض لذلك ، وكرّ راجعا ، وشغل بالفتنة معه إلى أن هلك . وخرج قطز من مصر عندما شغل هولاكو بفتنة بركة ، فملك الشام كلّه ، أمصاره ومدنه ، وأصاره للترك موالي بني أيوب ، واستفحلت دولة هؤلاء المماليك ، واتّصلت أيامها واحدا بعد واحد كما ذكرنا في أخبارهم . ثم جاء قلاوون « 1612 » عندما ملك بيبرس الظاهر منهم فتظاهر به ، وأصهر إليه ، والترف يومئذ لم يأخذ منهم ، والشّدّة والشكيمة موجودة فيهم ، والبأس والرجولة شعار لهم ، وهلك الظاهر بيبرس ، وابناه من بعده ، كما في أخبارهم . وقام قلاوون بالأمر ، فاتسع نطاق ملكه ، وطال ذرع سلطانه ، وقصرت أيدي الطّطر عن الشام بمهلك هولاكو ، وولاية الأصاغر من ولده ، فعظم ملك قلاوون ، وحسنت آثار سياسته ، وأصبح حجة على من بعده ، ثم ملك بعده ابناه : خليل الأشرف ، « 1613 » ثم محمد الناصر . « 1614 » وطالت أيامه ، وكثرت عصابته من مماليكه ، حتى كمل منهم عدد لم يقع لغيره . ورتّب للدولة المراتب ، وقدّم منهم في كل رتبة الأمراء ، وأوسع لهم الإقطاع والولايات ، حتى توفرت أرزاقهم واتّسعت بالترف أحوالهم . ورحل أرباب البضائع من العلماء والتجار إلى مصر ، فأوسعهم حباء وبرّا . وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والربط والخوانق ، وأصبحت دولتهم غرّة في الزمان ، وواسطة في الدول ، ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة ، فطفق أمراء دولته ينصبون بنيه للملك ، واحدا بعد آخر ، مستبدّين عليهم ، متنافسين في الملك ، حتى يغلب واحد منهم الآخر ، فيقتله ، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر ، وينصب
--> ( 1611 ) يأتي الحديث عنه فيما بعد . ( 1612 ) أنظر أخباره في العبر 5 / 394 - 403 . ( 1613 ) انظر العبر 5 / 403 - 406 حيث ذكر توليته ، وفتوحاته ، ثم مقتله . ( 1614 ) انظر أخباره في العبر 5 / 406 .